الغزالي

191

فضائح الباطنية

محرابه يسأل ربّه تعالى أن يعلّمه صنعة يأكل منها ، فعلّمه صنعة الدروع وألان له الحديد ، فذلك قوله تعالى : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [ الأنبياء : 80 ] الآية . هذا خطر الإمامة ، وفيها أحاديث كثيرة يطول إحصاؤها ، وهذا القدر كاف للبصير المعتبر ، وعلى الجملة فيكفي من معرفة خطرها سيرة عمر رضي الله عنه ، فإنه كان يتجسس ويتعسس ليلا ليعرف أحوال الناس وكان يقول : « لو تركت جربة على ضفة الفرات لم يطلى بالهنا « 1 » فأنا المسؤول عنها يوم القيامة » ؛ ومع ذلك فقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : « دعوت الله تعالى اثنتي عشرة سنة : اللهم أرني عمر بن الخطاب في منامي ، فرأيته بعد اثنتي عشرة سنة كأنما اغتسل واشتمل بالإزار ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! كيف وجدت الله تعالى ؟ قال : يا أبا عبد الله ! كم منذ فارقتكم ؟ قلت : منذ اثنتي عشرة سنة . قال : كنت في الحساب إلى الآن . ولقد كادت تزل سريرتي لولا أنى وجدت ربا رحيما » . فهذه حال عمر ، ولم يملك من الدنيا سوى درّة « 2 » ، فليعتبر به . وقد حكى عن يزدجرد بن شهريار آخر ملوك العجم أنه بعث رسولا إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، وأمره أن ينظر في شمائله . فلما دخل المدينة قال : أين ملككم ؟ قالوا : ليس لنا ملك ؛ لنا أمير خرج برا ، فخرج الرجل في أثره فوجده نائما في الشمس ودرّته تحت رأسه وقد عرق جنبه حتى ابتلت منه الأرض . فلما رآه على حالته قال : « عدلت فأمنت فنمت ؛ وصاحبنا جار فخاف فسهر . أشهد أن الدين دينكم ؛ ولولا أنى رسول لأسلمت ، وسأعود بإذن الله تعالى » . ومنها أن يكون الوالي متعطشا إلى نصيحة علماء الدين ومتعظا بمواعظ الخلفاء الراشدين ومتصفحا في مواعظ مشايخ الدين للأمراء المنقرضين . ونحن نورد الآن بعض تلك المواعظ : فإنه قد روى أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى موسى

--> ( 1 ) الهنا : القطران ، يطلى به البعير الأجرب ؛ أو الناقة الجرباء ؛ أو الدواب عامة . ( 2 ) الدرة : العصا القصيرة ، يضرب بها .